الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

368

تفسير روح البيان

المؤمنين لئلا يقطع عليهم طريق الطلب وساوس الشيطان وهو رجس النفس بان طلب الحق امر عظيم وشأن خطير وأنت ضعيف والعمر قصير فان منادى الكرم من سرادقات الفضل ينادى ألا من طلبنى وجدني فان الطلاب في طلبي كذا في التأويلات النجمية قدس اللّه تعالى نفسه الزاكية القدسية المرضية وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ علم اللّه تعالى ان المرأة إذا مات زوجها قد يكون لها مال أو جمال أو معنى يرغب الناس فيها فاطلق للراغب ان يعرض بالخطبة في العدة فقال تعالى ولا جناح عليكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ التعريض إفهام المعنى بالشيء المحتمل له ولغيره مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ الخطبة بالكسر التماس النكاح وبالضم الكلام المشتمل على الوعظ والزجر من الخطاب الذي هو الكلام يقال خطب المرأة اى خاطبها في امر النكاح والمراد بالنساء المعتدات للوفاة واما النساء اللاتي لا تكون منكوحة الغير ولا معتدته من طلاق رجعي فان خطبتهن جائزة تصريحا وتعريضا الا ان يخطبها رجل فيجاب بالرضى صريحا فههنا لا يجوز لغيره ان يخطبها لقوله عليه السلام ( لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه ) وان أجيب بالرد صريحا فههنا يحل لغيره ان يخطبها وان لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد ففيه خلاف والتي هي معتدة عن الطلاق الثلاث والبائن باللعان والرضاع ففي جواز التعريض بخطبتها خلاف واما البائن التي يحل لزوجها نكاحها في عدتها كالمختلعة والتي انفسخ نكاحها بعيب أو عنة أو إعسار نفقة فههنا يجوز لزوجها التعريض والتصريح واما غير الزوج فلا يحل له التصريح والتعريض لأنها معتدة يحل للزوج ان يستبيحها في عدتها فلا يحل له التعريض بخطبتها كالرجعية ثم التعريض بالخطبة ان يقول لها في العدة انك لجميلة صالحة ومن غرضى ان أتزوج أو اشتهى امرأة مثلك أو انا محتاج إلى امرأة صفتها كذا أو يقول انى حسن الخلق كثير الانفاق جميل العشرة محسن إلى النساء فيصف نفسه ليرغب فيه أو يقول رب راغب فيك وحريص عليك ونحو ذلك مما يوهم انه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه ان رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح بان يقول انى أريد ان أنكحك أو أتزوجك أو أخطبك أو غير ذلك فإنه كما لا يجوز ان ينكحها في عدتها لا يجوز له ان يخطبها صريحا فيها أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مفعول أكننتم محذوف وهو الضمير الراجع إلى ما الموصولة في قوله فيما عرضتم اى أو أكننتموه في أنفسكم اى أضمرتم في قلوبكم من نكاحهن فلم تذكروه صريحا ولا تعريضا . الآية الأولى لإباحة التعريض في الحال وتحريم التصريح في الحال وهذه الآية إباحة لان يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة ثم إنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك فقال عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهن فالمقصود بيان وجه إباحة الخطبة بطريق التعريض وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا نصب على أنه مفعول ثان لتواعدوهن وهو استدراك عن محذوف دل عليه ستذكرونهن اى فاذكروهن وأظهروا لهن رغبتكم ولكن لا تواعدوهن نكاحا بل اكتفوا بما رخص لكم من التعريض والتعبير عن النكاح بالسر لان مسببه الذي هو الوطئ مما يسر به إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً استثناء مفرغ مما يدل عليه النهى اى لا تواعدوهن مواعدة ما الا مواعدة معروفة غير منكرة